مقال: ثقافة الوهم

‏  3 دقائق للقراءة        421    كلمة

بقلم : د. أمين الجبر

عندما يشعر المرء – وهذا أمر طبيعي- أنه بلغ مرحلة علمية متقدمة، ربما تفوق أقرانه، دون أن يحقق ذاته، سياسيا أو إجتماعيا وحتى ثقافيا، لظروف موضوعية أو ذاتية تبدو – من وجهة نظره- عصية على التطبيع والتطويع ، يصبح بالتالي اسير أوهام التنظير التبريري والجدل اليوتوبي العقيم.

وهذا ما نلمسه في طروحات معظم – وليس كل – الأكاديميين والكتاب المحسوبين – بشكل أو بآخر- على النخبة المثقفة .

فعندما لا يجدون ذاتهم ، او بمعنى أدق لا يستطيعون تحقيق أهدافهم ومشاريعهم اليوتيوبية لجملة من الأسباب، يلجأون عادة إلى التنظير والتبشير بواقع طوباوي يصعب تحققه في الواقع الموضوعي، وتتغلب عليهم ، من ثم ، نزعة تشاؤمية استعلائية نحو الآخر، تصل أحيانا إلى حد الأنانية. ينعكس ذلك بشكل سلبي على قراءتهم للماضي والحاضر والمستقبل.

حيث الماضي يصبح في منظورهم (ظلام، كهنوت، جهل ..الخ), والحاضر اجترار وانعكاس له ، بل وتكرارية رتيبة ، أما المستقبل فلا ملامح له بعد، وإن كانت أكثر تشاؤما وإحباط.. لا تبشر بالخير أو التطور المنشود.. متناسين أن الماضي أصبح تاريخا كانت له ظروفه وشروطه الزمانية والمكانية ونحن من صنعه. والحاضر هو نحن بكل تجلياته وتمظهراته، بل بكل سلبياته وإيجابياته، أما المستقبل فهو إحتمالي تكهني، تنبؤي ، بالتالي فهو بيد الخالق عز وجل، وإن كنا نحن من نصوغ بعض ملامحه.

فلا غرابة إذا أن نجد ثمة إسقاطا تنظيريا على واقع مغاير فكرا وتوجها ، وخندقة فكرية تجاه الآخر، خلقت لدى أصحابها حالة من الضبابية والتشوش ، بحيث شكل الغير حالة من الممانعة واللاممكن تجاه مشاريعهم يستحيل معها مهادنته أو التطبع معه لجملة من العوامل لسنا هنا بصدد حصرها.

لكن ما نستطيع تأكيده أن ثمة مثقفين يمكن القول إزاهم : أنهم يعيشون الوهم نفسه ، وانهم لازالوا مدمني شعارات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع، وانهم – أيضا- لم يعوا بعد فقه الواقع كي يحسنوا دراسته والتعامل معه، بل إنهم في حالة غربة شبه دائمة ، تنم عن حالة إفلاس تجعلهم لا يستطيعون إيجاد حراك ثقافي- سياسي فاعل.

فيا ترى أما آن لأرباب الثقافة أن يعوا بعد أهمية تأصيل وإشاعة ثقافة السلم والتعايش بدلا من الاسقاطات القسرية واجترار قيم وافكار أتى عليها الدهر وشرب ، وبدلا من تكريس ثقافة الوهم.

أم أن الترف الفكري والغثائية الماضوية هما المسيطران والمتحكمان في ما نعانيه من تسيد وطغيان ثقافة الوهم..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى