مقال: العنف..ومساجلاته

‏  3 دقائق للقراءة        561    كلمة

بقلم : د.امين الجبر
قد يكون العنف اقدم رفيق عرفه الإنسان حيث من المرجح أن الإنسان حينما أتاحت له أولى ومضات العقل أن يصنع بعض الأسلحة البدائية للدفاع عن نفسه استعملها ايضا ليفتك بأمثاله . اليس ذا دلاله قتل قابيل لأخيه هابيل أول أبني آدم؟
هذا العنف الذي اقترن بحياة وسلوك الفرد منذ القدم حتى أضحى لدى بعض الفلاسفه بمثابة “محرك التاريخ” تتعدد أشكاله وتتنوع أغراضه (سياسي، اجتماعي، ديني، ثقافي، طبقي، ..الخ) وفقا لتعدد وتنوع أنماط الحياة ذاتها، وذلك بفعل تراكمات ثقافية وقيم مجتمعية أكتسبها الإنسان عبر مراحل تاريخية طويلة ، لا ليصبح مع مرور الوقت بمثابة ثقافة مجتمعية متكلسة، لها مسوغاتها ومبرراتها (عرفية- سياسية) فحسب، وإنما بمثابة أداة أو ميكانزم تضمن استمرار وبقاء المجتمع في ظل ظروف جديدة ومتغيرة، حسب ما أثبته (كوزر) في نظريته.
من هنا كان العنف قصدية عدائية وسلوك غريزي اكتسبه الإنسان من البيئة المحيطة به، بمعنى آخر أن العنف معطى اجتماعي ونزعة تسلطية ناتجة عن إستخدام القوة استخداما غير مشروع، وغير مطابق للقانون، حيث عرفه (دينسمين) بأنه: استخدام وسائل القوة والقهر أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص والممتلكات وذلك من أجل تحقيق أهداف غير قانونية أو مرفوضة إجتماعيا.
لتكون بالتالي أبرز مظاهره غياب التكامل الوطني داخل المجتمع، وغياب العدالة الاجتماعية وحرمان قطاع واسع من السكان من بعض الحقوق. بل وسيادة قانون الغاب ومنطق البقاء للأقوى.. ليس إلا.
ولأن مجريات الأحداث في بلادنا تبدو نتاجا طبيعيا لمثل هذه الثقافة العنفية/ الثأرية، بالتالي فلا غرابة أن تصبح لغة العنف ومنطق الغلبة هو المتسيد على خطابنا ومساجلاتنا السياسية وربما أحيانا الاجتماعية بل وعلى اطروحاتنا وعلاقتنا مع الغير ويصبح من خالفنا الرأى هو ( العميل، المرتزق، الانفصالي، الإمامي، الإرهابي، الداعشي، المجوسي..الخ) تحت مبرر حب السيطرة والزعامة والاستئثار بالقرار السياسي. بل نجد أن ثمة أناس ينبرون بإسم الدين أو بإسم النظام والقانون، ويتجردون من كل قيمة إنسانية، يحاولون إلحاق الأذى والضرر بالآخرين، مستقوين على ذلك بالسلطان السياسي أو الوجاهة الإجتماعية أو ادعاء تمثيل الدين، كل ذلك من أجل إشباع الغرائز والنزوات ليس غير.
واذا كانت السلطات القائمة كأمر واقع في كل الخارطة السياسية اليمنية تحاول – بوعي أو بدون وعي- إشاعة مثل هذه الثقافة تحت ضغط تلك المبررات ، فيا ترى ما مبرر بعض السياسيين المحايدين وبعض مشايخ الدين ورجال الحداثة من الخندقة الفكرية وإشاعة الكراهية والتحزب المذهبي أو الجهوي. هل هو من أجل البقاء وحب التملك ؟ أم مجرد الرد والتعامل بالمثل ؟ أم أنه الإفلاس السياسي والخواء الفكري وعدم امتلاك المشروع؟.
إنه لا محالة – من وجهة النظر الخاصة- الهوس وجنون العظمة وعدم الشعور بالمسؤولية، وإلا ما معنى تلك السيول المتدفقة من مصطلحات التخوين والتفسيق التي تعج بها خطابات كل الأطراف المتصارعة على حد سواء..
إن نظاما سياسيا – بكل اطيافه- ينتج العنف ويعسكر الحياة السياسية لنظام يفتقد – بحق – إلى أبسط مقومات العمل السياسي ويرتكز – في كل الحالات – على مبدأ الغلبة والاستقواء على وهم القوة، ليس لأن تلك المصطلحات المعنفة لا تأتي من فراغ فحسب، وإنما لأن ثقافة العنف ونظرية المؤامرة تبدو متأصلة ومتجذرة في العقلية السياسية اليمنية.
فيا ترى أما آن الأوان لإشاعة ثقافة السلم والتعايش.. ومغادرة لغة العنف والتخوين.. واستبدال ذلك بخطاب تصالحي جامع..
أم أن الطبع غلب التطبيع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى